أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

459

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله تعالى : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ : « الصِّيامُ » مفعول لم يسمّ فاعله وقدّم عليه هذه الفضلة وإن كان الأصل تأخيرها عنه لأنّ البداءة بذكر المكتوب عليه آكد من ذكر المكتوب لتعلّق الكتب بمن يؤدّي . والصيام : مصدر صام يصوم صوما ، والأصل : صواما ، فأبدلت الواو ياء والصوم مصدر أيضا ، وهذان البناءان - أعني فعل وفعال - كثيران في كلّ فعل واويّ العين صحيح اللام ، وقد جاء منه شيء قليل على فعول قالوا : غار غوورا ، وإنما استكرهوه لاجتماع الواوين ، ولذلك همزه بعضهم فقال : الغؤور . والصيام لغة الإمساك عن الشيء مطلقا ، ومنه : صامت الريح : أمسكت عن الهبوب ، والفرس : أمسكت عن العدو ، قال : 839 - خيل صيام وخيل غير صائمة * تحت العجاج وأخرى تعلك اللّجما « 1 » وقال تعالى : إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً « 2 » أي : سكوتا لقوله : فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا . وصام النهار أي : اشتدّ حرّه ، قال : 840 - حتّى إذا صام النّهار واعتدل * ومال للشّمس لعاب فنزل « 3 » كأنهم توهّموا ذلك الوقت إمساك الشمس عن المسير . ومصام النجوم : إمساكها عن السير ، قال امرؤ القيس : 841 - كأنّ الثّريّا علّقت في مصامها * بأمراس كتّان إلى صمّ جندل « 4 » قوله : كَما كُتِبَ فيه خمسة أوجه : أحدها : أنّ محلّها النصب على نعت مصدر محذوف أي : كتب كتبا مثل ما كتب . الثاني : أنه في محلّ حال من المصدر المعرفة أي : كتب عليكم الصيام الكتب مشبها ما كتب . و « ما » على هذين الوجهين مصدرية . الثالث : أن يكون نعتا لمصدر من لفظ الصيام ، أي : صوما مثل ما كتب . ف « ما » على هذا الوجه بمعنى الذي ، أي : صوما مماثلا للصوم المكتوب على من قبلكم . و « صوما » هنا مصدر مؤكّد في المعنى ، لأنّ الصيام بمعنى : أن تصوموا صوما ، قاله أبو البقاء ، وفيه أنّ المصدر المؤكّد يوصف ، وقد تقدّم منعه عند قوله تعالى : بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ « 5 » . وقال الشيخ « 6 » - بعد أن حكى هذا عن ابن عطية - « وهذا فيه بعد ؛ لأنّ تشبيه الصوم بالكتابة لا يصحّ ، هذا إن كانت « ما » مصدرية ، وأمّا إن كانت موصولة ففيه أيضا بعد ؛ لأنّ تشبيه الصوم بالصوم لا يصحّ إلّا على تأويل بعيد » . الرابع : أن يكون في محلّ نصب على الحال من « الصيام » ، وتكون « ما » موصولة ، أي : مشبها الذي

--> ( 1 ) البيت للنابغة انظر ديوانه ( 112 ) ، اللسان « صوم » . ( 2 ) سورة مريم ، آية ( 26 ) . ( 3 ) البيت من شواهد البحر ( 2 / 6 ) . ( 4 ) انظر ديوانه ( 117 ) . ( 5 ) سورة البقرة ، آية ( 180 ) . ( 6 ) انظر البحر المحيط ( 1 / 29 ) .